فخر الدين الرازي
25
الأربعين في أصول الدين
انقضى ذلك الزمان ، وحصل بعده زمان آخر ، حصل فيه الابن . فاذن التقدم الزماني ، لا يعقل حصوله الا عند حصول الزمان . وإذا تلخصت هذه المقدمة ، فعند ذلك قالت الفلاسفة ما المراد من قولكم : عدم العالم متقدم على وجوده ؟ لا جائز أن يكون المراد منه التقدم بالعلية والتأثير . لأن العدم لا يكون علة للوجود ، ولأن العلة يجب أن تكون حاصلة مع المعلول . فلو كان عدم العالم علة لوجوده ، لزم أن يحصل عدمه ووجوده معا . وهذا محال . وأما ان كان المراد منه التقدم بالذات . فهذا متفق عليه . وذلك لأن العالم ممكن لذاته . والممكن لذاته يستحق لذاته أن لا يستحق الوجود وصيرورته مستحقا للوجود ، انما يكون من غيره . وما بالذات قبل ما بالغير . فاذن عدمه قبل وجوده : قبلية بالذات بالانفاق . ولا جائز أن يكون المراد منه التقدم بالشرف ، ولا بالمكان . وهو ظاهر . بقي أن يكون تقدم عدمه على وجوده ، تقدما بالزمان . ولكنا بينا : أن التقدم بالزمان لا يتقرر . الا عند حصول الزمان . فلو كان عدم العالم متقدما على وجوده بالزمان ، تقدما من الأزل إلى الأبد . لزم أن يكون الزمان موجودا من الأزل إلى الأبد . لكن الزمان من لواحق الحركة ، التي هي من لواحق الجسم ، فيلزم من تفسير المحدث بما ذكرتم ، القول بقدم الزمان والحركة والجسم . وذلك نقيض مطلوبكم ، وضد غرضكم . فثبت : أن القول بتفسير كون العالم محدثا بما ذكرتم ، يفضى ثبوته إلى نفيه . فوجب أن يكون هذا التفسير باطلا . وأما التفسير الثاني . وهو أن يقال : المحدث ما يكون مسبوقا بالغير . فنقول : اما ان يكون المراد بهذا السبق : السبق بالعلية . فذاك متفق عليه . لأن مذهبنا : أن العالم ممكن لذاته ، واجب لوجوب